رغم أن سرطان الرئة لا يزال أكثر أنواع السرطان تسببًا بالوفيات عالميًا، وأن معدلات النجاة لخمس سنوات ما تزال محدودة، فإن التطورات الحالية تمنح الباحثين والمرضى قدرًا متزايدًا من التفاؤل.
خلال السنوات الأخيرة تطورات متسارعة، مع ظهور أدوية مناعية وعلاجات موجهة ولقاحات تجريبية، منحت المرضى فرصًا أطول للبقاء على قيد الحياة، وفتحت الباب أمام إمكانية الوقاية مستقبلًا من بعض أنواع المرض الأكثر فتكًا في العالم.
غير صغير الخلايا النوع الأكثر شيوعًا، إذ يمثل نحو 85 بالمئة من الحالات، بينما يشكل سرطان الرئة صغير الخلايا نحو 15 بالمئة، لكنه أكثر عدوانية وصعوبة في العلاج. حوالي 3 بالمئة من مرضى سرطان الرئة غير صغير الخلايا يحملون طفرة في جين ALK، وغالبًا ما يكون المصابون بها من غير المدخنين ومن الفئات الأصغر سنًا، كما يُشخَّص المرض لديهم في مراحل متأخرة.
قبل عقد من الزمن، كان العلاج الكيميائي الخيار الأساسي لهؤلاء، لكنه لم يكن يوقف نمو الورم إلا لنحو ستة أشهر فقط. وخلال السنوات الماضية، ظهرت أجيال متتالية من الأدوية المعروفة باسم مثبطات التيروزين كيناز ، التي تستهدف بروتينات ALK وتبطئ نمو الخلايا وفي عام 2024 وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على دواء"لورلاتينيب" بوصفه أحدث هذه العلاجات، بعدما أظهرت الدراسات قدرته على منع انتشار السرطان المرتبط بطفرات ALK لمدة تصل إلى خمس سنوات على الأقل.
وتقول جوليا روتو، أخصائية أورام الصدر في معهد دانا فاربر للسرطان في بوسطن:"نطمح لتجاوز حاجز السنوات الخمس، لكن ما تحقق يمثل قفزة هائلة مقارنة بما كان متاحًا سابقًا". العلاج المناعي، الذي بدأ استخدامه في سرطان الرئة منذ عام 2015، ساهم بشكل ملحوظ في تحسين معدلات البقاء، خاصة لدى مرضى سرطان الرئة غير صغير الخلايا.
أما في سرطان الرئة صغير الخلايا، الذي يرتبط غالبًا بالتدخين ويتسم بسرعة الانتشار، فقد برز دواء"تارلاتاماب" الذي اعتمدته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2025 كأول علاج قد ينافس العلاج الكيميائي لدى المرضى الذين عاد لديهم المرض بعد العلاج. ويستهدف الدواء بروتينًا يسمى DLL3، يوجد بكثافة في أورام سرطان الرئة صغير الخلايا، لكنه شبه غائب عن أنسجة الرئة السليمة، ما جعله هدفًا مثاليًا للعلاج المناعي. ويعتمد"تارلاتاماب" على تقنية تُعرف باسم"BiTE"، حيث يعمل كجسر يربط الخلايا التائية المناعية بالخلايا السرطانية لتدميرها.
وأظهرت دراسة شملت 509 مرضى أن متوسط البقاء على قيد الحياة بلغ 13.6 شهرًا لدى مستخدمي"تارلاتاماب"، مقارنة بـ8.3 أشهر فقط لدى من تلقوا العلاج الكيميائي التقليدي. ويقول أريك سينغي، اختصاصي أورام الصدر والمتحدث باسم جمعية الرئة الأمريكية، إن تطوير الأدوية لم يعد يقتصر على اكتشاف أهداف علاجية جديدة، بل أصبح يركز أيضًا على"التفوق على تطور الورم وآليات مقاومته". ومن بين الأدوية الواعدة في هذا المجال"سيفابرتينيب"، الذي يستهدف طفرات HER2 المرتبطة بعدة أنواع من السرطان، بينها سرطان الرئة.
ويتميّز الدواء بقدرته على الارتباط العكسي بالبروتينات المستهدفة، ما يساعده على الاستمرار في العمل حتى عند حدوث طفرات جديدة، ويقلل احتمالات مقاومة العلاج. وفي دراسة أجريت عام 2025 على 209 مرضى بسرطان رئة متقدم أو منتشر، بلغت نسبة الاستجابة للعلاج 71 بالمئة لدى المرضى الذين لم يتلقوا علاجات سابقة. كما شهدت السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا فيما يُعرف بالعلاجات المقترنة بالأجسام المضادة، التي تنقل جرعات مركزة من العلاج الكيميائي مباشرة إلى الورم، لتقليل الأضرار على بقية الجسم.
ومن أبرز هذه العلاجات دواء"داتوبوتاماب ديروكستيكان"، الذي اعتمد عام 2025 لعلاج مرضى سرطان الرئة الحاملين لطفرات EGFR. ويستهدف الدواء بروتين TROP-2 الموجود على الخلايا السرطانية، فيما تتميز مادته الكيميائية بقدرة أعلى بعشر مرات من بعض الأدوية السابقة، مع آثار جانبية أقل. وأظهرت تجارب سريرية أن الجمع بين هذا الدواء والعلاج المناعي"بيمبروليزوماب" أدى إلى استجابة الأورام لدى نحو 55 بالمئة من المرضى. التقدم في الأدوية الحديثة دفع الأطباء أيضًا لإعادة التفكير في دور الجراحة والعلاج الإشعاعي حتى لدى مرضى المراحل المتقدمة.
ففي السابق، كان مرضى المرحلة الرابعة نادرًا ما يخضعون للجراحة بسبب انتشار المرض، لكن العلاجات الجديدة باتت تُبقي المرض تحت السيطرة لفترات أطول، ما يسمح أحيانًا بالتدخل الجراحي أو الإشعاعي لمعالجة الأورام المتبقية. وفي دراسة أجريت عام 2025 على مرضى يحملون طفرات EGFR، أدى الجمع بين العلاج الموجه والجراحة أو الإشعاع إلى إطالة فترة السيطرة على المرض إلى 25 شهرًا، مقارنة بـ17 شهرًا لدى من تلقوا العلاج الدوائي وحده.
ورغم أن أبحاث لقاحات سرطان الرئة ما تزال في مراحلها الأولى، فإن العلماء يعلقون آمالًا كبيرة على لقاح تجريبي يحمل اسم"LungVax". وتقود الباحثة مريم جمال حنجاني من معهد السرطان في جامعة لندن تجربة سريرية للقاح تبدأ هذا الصيف، وتهدف إلى منع عودة السرطان بعد الجراحة، وربما الوقاية منه لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة. ويعتمد اللقاح على تحليل طفرات جينية ترتبط ببروتينات غير طبيعية تظهر في الخلايا السرطانية، بحيث يُحفَّز الجهاز المناعي على تدمير هذه الخلايا قبل تحولها إلى سرطان كامل.
وتقول جمال حنجاني إن ما بين 20 و30 بالمئة من المرضى يتعرضون لانتكاسة خلال ثلاث سنوات بعد الجراحة، وقد يساعد اللقاح على تقليل هذا الخطر. ورغم أن سرطان الرئة لا يزال أكثر أنواع السرطان تسببًا بالوفيات عالميًا، وأن معدلات النجاة لخمس سنوات ما تزال محدودة، فإن التطورات الحالية تمنح الباحثين والمرضى قدرًا متزايدًا من التفاؤل.
فالعلاجات أصبحت أكثر دقة في استهداف الطفرات المختلفة، وأكثر قدرة على إطالة حياة المرضى، بينما تفتح اللقاحات الباب أمام مرحلة قد يصبح فيها منع المرض ممكنًا، وليس فقط علاجه. علاج جديد يمنح أملاً لمرضى سرطان الثدي في مراحله المبكرة




